القرطبي
378
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
وقال زهير يصف ناقة صغيرة الرأس : كأن الرجل منها فوق صعل * من الظلمان جؤجؤه هواء فارغ أي خال ، وفي التنزيل : " وأصبح فؤاد أم موسى فارغا " ( 2 ) [ القصص : 10 ] أي من كل شئ إلا من هم موسى . وقيل : في الكلام إضمار ، أي ذات هواء وخلاء . قوله تعالى : وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ظلموا ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل أو لم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال ( 44 ) قوله تعالى : ( وأنذر الناس ) قال ابن عباس : أراد أهل مكة . ( يوم يأتيهم العذاب ) وهو يوم القيامة ، أي خوفهم ذلك اليوم . وإنما خصهم بيوم العذاب وإن كان يوم الثواب ، لأن الكلام خرج مخرج التهديد للعاصي . ( فيقول الذين ظلموا ) أي في ذلك اليوم ( ربنا أخرنا ) أي أمهلنا . ( إلى أجل قريب ) سألوه الرجوع إلى الدنيا حين ظهر الحق في الآخرة . ( نجب دعوتك ) أي إلى الإسلام . ( ونتبع الرسل ) . فيجابوا : ( أو لم تكونوا أقسمتم من قبل ) يعني في دار الدنيا . قال مجاهد : هو قسم قريش أنهم لا يبعثون . ابن جريج : هو ما حكاه عنهم في قوله : " وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت " ( 3 ) [ النحل : 38 ] . " ما لكم من زوال " فيه تأويلان : أحدهما - ما لكم من انتقال عن الدنيا إلى الآخرة ، أي لا تبعثون ولا تحشرون ، وهذا قول مجاهد . الثاني - " ما لكم من زوال " أي من العذاب . وذكر البيهقي عن محمد بن كعب القرظي قال : لأهل النار خمس دعوات يجيبهم الله في أربعة ، فإذا كان في الخامسة لم يتكلموا بعدها أبدا ، يقولون : " ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل " ( 4 ) [ غافر : 11 ] فيجيبهم الله " ذلكم بأنه إذا دعى الله وحده كفرتم وأن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير " [ غافر : 12 ] .
--> ( 1 ) " فوق صعل " شبه الناقة في سرعتها بالظليم وهو ذكر النعام ، فكأن رحلها فوقه . والصعل : الصغير الرأس ، وبذلك يوصف الظليم والجؤجؤ الصدر . ( 2 ) راجع ج 13 ص 254 . ( 3 ) راجع ج 10 ص 105 . ( 4 ) راجع ج 15 ص 296 .